الشيخ محمد النهاوندي

11

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ أنّه تعالى بعد أمر نبيّه بمباهلة أهل الكتاب ، وإعراضه عن مجادلتهم - مع كونه صلّى اللّه عليه وآله حريصا في إيمانهم ، ومصرّا على هدايتهم - أمره بأن يعدل في دعوتهم عن طريق المجادلة والمحاجّة إلى نهج يشهد كلّ عقل سليم أنّه عدل وإنصاف ، ليس فيه شائبة التّعصّب ، بقوله : قُلْ يا محمّد للنّصارى : يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا وهلمّوا بالتّصميم وتوطين النّفس إِلى كَلِمَةٍ ذات سَواءٍ وقول فيه عدل وإنصاف بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ لا يتصوّر فيها لأحد جور وميل على صاحبه ؛ وهي تواطئنا على أَلَّا نَعْبُدَ أحدا من الخلق ، وشيئا من الموجودات إِلَّا اللَّهَ المستحقّ بالذّات للالوهيّة والعبادة وَلا نُشْرِكَ بِهِ في عبادتنا شَيْئاً من مخلوقاته مسيحا كان ، أو صنما ، أو غيرهما وَلا يَتَّخِذَ ولا يختار بَعْضُنا بَعْضاً آخر من الأحبار والرّهبان أَرْباباً ومطاعين في تحليل الأشياء وتحريمها مِنْ دُونِ اللَّهِ وممّا سواه . في بيان المراد من الأقانيم فإنّ جميع هذه الأمور الثّلاثة « 1 » ممّا تسالمت عليها العقول السّليمة والطّباع المستقيمة ، واتّفقت عليها الرّسل والكتب المنزلة ، ومع ذلك خالفت النّصارى كلّها ، إذ كان بعضهم يقولون بالوهيّة عيسى عليه السّلام وحده ويعبدونه ، وبعضهم يشركون باللّه غيره ، ويقولون بالأقانيم الثّلاثة : أب ، وابن ، وروح القدس ، حيث قالوا : إنّ أقنوم الكلمة تدرّعت بناسوت المسيح ، وأقنوم روح القدس بناسوت مريم ، ولولا [ كون ] هذين الاقنومين ذاتين مستقلّتين ، لما جازت عليها مفارقة ذات الأب والتّدرّع بناسوت عيسى ومريم عليهما السّلام ، فلذا أثبتوا ذوات ثلاثة مستقلّة ، وكذا اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ، حيث كانوا يطيعونهم في التّحليل والتّحريم ، ويسجدون لهم . روي أنّه لمّا نزلت اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ « 2 » قال عديّ بن حاتم : ما كنّا نعبدهم يا رسول اللّه ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « أليس كانوا يحلّون لكم ويحرّمون ، فتأخذون بقولهم ؟ » قال : نعم ، قال : « هو ذلك » « 3 » . قيل : إنّ من مذهبهم أنّ من صار كاملا في الرّياضة والمجاهدة يظهر منه « 4 » أثر حلول اللّاهوت ، فيقدر على إحياء الأموات ، وإبراء الأكمه والأبرص . فإنّهم وإن لم يطلقوا عليه اسم الرّبّ ، إلّا أنّهم أثبتوا فيه « 5 » معنى الرّبوبيّة « 6 » . وروي أنّ اليهود قالوا للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله : ما تريد إلّا أن نتّخذك ربّا كما اتّخذت النّصارى عيسى ، وقالت

--> ( 1 ) . أي الواردة في الآية . ( 2 ) . التوبة : 9 / 31 . ( 3 ) . تفسير أبي السعود 2 : 47 . ( 4 ) . في تفسير الرازي : فيه . ( 5 ) . في تفسير الرازي : في حقه . ( 6 ) . تفسير الرازي 8 : 86 .